الأصل في الإنسان أن يكون مبدعًا

بعد أن أدركنا أن علو الهمة هو مفتاح الإنجاز، يبقى السؤال الأهم:

لماذا نجد كثيرًا من الناس يرضون بالدون، ويستسلمون للعجز، مع أن الله خلقهم قادرين على الإنجاز والإبداع؟

الجواب أن الإنسان يولد على فطرة سليمة، ثم تتشكل شخصيته بما يتلقاه من بيئته وتربيته وأفكاره.

قال رسول الله ﷺ:

«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
رواه البخاري ومسلم.

فالطفل يولد بقلب نقي، وعقل قابل للتعلم، ونفس مهيأة للخير، ثم تبدأ المؤثرات الخارجية في تشكيل شخصيته؛ فيتلقى من والديه، ثم من أسرته، ثم من المدرسة، ثم من أصدقائه، ثم من المجتمع، حتى يصبح كثير من أفكاره وقناعاته نتاجًا لما سمعه أكثر من كونها نتاجًا لما آمن به عن بصيرة.

ولهذا كان الإسلام يولي عناية عظيمة بالتربية، لأنها هي التي تبني الإنسان أو تهدمه.

القيود الوهمية… أخطر من القيود الحقيقية

ومن أخطر ما يواجه الإنسان في حياته تلك القيود التي يصنعها في عقله، فيعيش أسيرًا لها، مع أنها لا وجود لها في الواقع.

ويضرب لذلك مثل مشهور برجل أراد أن يربط حماره، فلم يجد حبلًا، فقال له أحدهم:

“تظاهر بأنك ربطته.”

فلف حول ساقه حركة تشبه ربط الحبل، فبقي الحمار مكانه طوال الليل.

وفي الصباح أراد صاحبه أن يقوده، فإذا بالحمار يرفض الحركة، لأنه يظن أنه ما زال مربوطًا!

فعاد إلى صاحبه، فقال له:

“كما تظاهرت بالربط، تظاهر الآن بفك الحبل.”

فلما فعل، انطلق الحمار يسير بكل سهولة.

قد تبدو القصة طريفة، لكنها تحمل معنى عميقًا.

فكم من إنسان قيد نفسه بقيود وهمية، مثل:

  • لا أستطيع.
  • فاتني العمر.
  • لست ذكيًا.
  • ليس عندي موهبة.
  • النجاح لغيري.
  • الظروف تمنعني.

ومع تكرار هذه العبارات تتحول إلى قناعات، ثم إلى واقع يعيشه الإنسان، مع أنها لم تكن حقيقة في الأصل.

استعن بالله ولا تعجز

جاء الإسلام ليحرر الإنسان من هذه القيود النفسية.

قال رسول الله ﷺ:

«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز.»
رواه مسلم.

تأمل هذا التوجيه النبوي العظيم.

  • احرص: أي خذ بالأسباب.
  • استعن بالله: فلا تعتمد على نفسك وحدها.
  • ولا تعجز: لا تستسلم للفشل، ولا تجعل العوائق سببًا لترك العمل.

فالمؤمن لا يعرف اليأس، ولا يجعل الإخفاق نهاية الطريق، بل يعتبره درسًا يقوده إلى نجاح جديد.

أنت مسؤول عن تغيير نفسك

قد يكون الإنسان معذورًا في طفولته؛ لأنه نشأ في بيئة لم يخترها.

لكن بعد أن يبلغ ويعقل، يصبح مسؤولًا عن نفسه.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11].

ولهذا لا ينبغي أن يبقى الإنسان أسير أخطاء الماضي، أو التربية الخاطئة، أو الكلمات السلبية التي سمعها في صغره.

بل عليه أن يبدأ رحلة جديدة مع نفسه، يراجع فيها أفكاره، ويصحح معتقداته، ويغذي قلبه بالإيمان، وعقله بالعلم، ونفسه بالطاعة.

فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، ثم تظهر آثاره على السلوك والعمل والإنجاز.

اختر قدوتك بعناية

لا يستطيع الإنسان أن يبني شخصيته وحده، بل يحتاج إلى نموذج يقتدي به.

ولهذا كان الناس يتأثرون بمن يحبون أكثر مما يتأثرون بما يسمعون.

وقد قيل:

فإن أعجبتك خلالُ امرئٍ
فكنه تكن مثل من أعجبك.

لكن السؤال:

من هو أفضل قدوة؟

إنه رسول الله ﷺ.

فقد جمع الله له كمال الإيمان، وسمو الأخلاق، وحسن القيادة، وقوة الشخصية، ورجاحة العقل، والرحمة، والشجاعة، والزهد، والصبر، والحكمة.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: 21].

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وما فقد الماضون مثل محمدٍ
ولا مثله حتى القيامة يُفقدُ

من هدي النبي ﷺ نتعلم صناعة الشخصية

إن سيرة النبي ﷺ ليست مجرد أحداث تاريخية، وإنما مدرسة متكاملة لبناء الإنسان.

فمنها نتعلم:

  • كيف نثبت أمام الشدائد.
  • كيف نحسن التعامل مع الناس.
  • كيف نجمع بين العبادة والعمل.
  • كيف نربي أبناءنا.
  • كيف نخطط للمستقبل.
  • كيف نصنع أمة قوية بالإيمان والعلم والأخلاق.

ولهذا اعتنى العلماء عبر القرون بدراسة شمائله وأخلاقه وسيرته، لأنها التطبيق العملي للقرآن الكريم.

وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن إشراق مولده بقوله:

وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ
وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ

ولم يكن نور رسالته خاصًا بجيل الصحابة، بل بقي هديه نورًا يهدي كل من أراد أن يسلك طريق الاستقامة والنجاح.

خاتمة

إن أعظم تغيير يمكن أن يحدث في حياة الإنسان هو أن ينتقل من العيش بلا رسالة إلى العيش لله تعالى.

فإذا سمت همته، وصح مقصده، واستعان بربه، واتخذ رسول الله ﷺ قدوة، وأطلق مواهبه في طاعة الله، تحول إلى إنسان نافع لنفسه وأسرته وأمته.

ولا تنتظر يومًا مثاليًا لتبدأ، فالبدايات العظيمة تبدأ بخطوة صادقة، يعقبها عمل مستمر، ثم توفيق من الله سبحانه وتعالى.

اسأل نفسك من الآن: ما الهدف الذي أعيش من أجله؟ وهل تقودني أعمالي اليوم إلى الغاية التي أرجوها غدًا؟

ابدأ اليوم، وجدّد نيتك، وارفع همتك، وأكثر من الطاعة، واستعن بالله، فإن من صدق مع الله صدق الله معه، ومن سار إليه خطوة، أعانه حتى يبلغ مراده في الدنيا، ويفوز برضوانه وجنته في الآخرة.